في طاعة الوالدين نجاة


     كانَت هناك أسرةٌ جميلة تعيشُ في بيتٍ دافئ يملؤه الحبّ والطمأنينة. تتكوّن الأسرة من فتاة لطيفة اسمها ليان، وولد نشيط اسمه لؤي، وطفل صغير مرح يدعى شفيق، يعيشون جميعًا بسلامٍ مع أبيهم الحنون وأمِّهم الطيبة.

    وفي أحد أيام الربيع المشمسة، قررت الأسرة الخروج في نزهة ممتعة إلى الجبل، حيث الأشجار الخضراء تتراقص مع النسيم، والعصافير تغرّد بألحان الفرح، ومياه الوادي تتلألأ تحت ضوء الشمس كأنها خيوط فضية.

   وصلت الأسرة إلى سفح الجبل، وبدأ الجميع يبحث عن مكان مناسب ليقيموا فيه خيمتهم. وبينما كانوا يتجولون بين الصخور والزهور البرية، التفتت الأم إلى أبنائها وقالت بلهجة مليئة بالحب والحرص:

"إياكم أن تبتعدوا عن بعضكم يا أحبّائي، فالجبل واسع ولا نريد أن يضيع أحد منكم."



  هزّت ليان رأسها موافقة، وضمّ شفيق يد أمه بثقة، لكن لؤي… كان أكثرهم حماسًا واستكشافًا. وبينما كانوا يسيرون، لمح لؤي سربًا من الفراشات الملوّنة يرفرف بين الأشجار، فانبهر بجمالها وأراد الاقتراب منها. ركض خلفها دون أن يشعر بالمسافة التي يقطعها، وانشغل بمتابعتها من زهرة إلى أخرى… إلى أن وجد نفسه فجأة بعيدًا جدًا عن أسرته.



توقف لؤي مشدوهًا، نظر حوله يمينًا ويسارًا، فلم يرَ أحدًا. بدأت الشمس بالغياب خلف الجبل، وتسلّل الظلام تدريجيًا، وبدأت البرودة تلسع يديه الصغيرتين. أحسّ لؤي بالخوف لأول مرة في هذا اليوم الجميل. جلس على صخرة قريبة وهمس لنفسه:

"ليتني استمعتُ لكلام أمي… ماذا أفعل الآن؟"



في تلك اللحظات، كانت أسرته قد فرغت تقريبًا من ترتيب مكان المبيت، لكن الأب لاحظ غياب لؤي. نادى بصوت عالٍ:

"لؤييي!"

ثم لحقت به الأم وهي تمسك بشفيق وتقول بقلق:

"لؤي! أين أنت يا بني؟"

    بدأت الأسرة تبحث في كل الاتجاهات، تناديه مرة بعد أخرى، بينما ازداد القلق في قلوبهم. أما ليان، فكانت تمسك يد والدها وتردد بصوت مرتجف:

"أرجوك يا لؤي… أجبنا!"

    كان لؤي في تلك اللحظة جالسًا وحده حتى سمع  نداء بعيدًا يتردد بين الجبال. رفع رأسه بسرعة، وأصغى جيدًا… إنه صوت والده! وقلبه يخفق بقوة.

   وقف على قدميه وبدأ يركض بكل ما أوتي من قوة ناحية الصوت، يتعثر أحيانًا ويقفز فوق الحجارة أحيانًا أخرى. كان الظلام يزيد الطريق صعوبة، لكن شوقه لأسرته كان أقوى من خوفه.

   وأخيرًا… لمَح ضوء مصباح أبيه من بعيد، ثم سمع صوت أمه تناديه من جديد. صرخ بأعلى صوته:

"أبي! أمي! أنا هنا!"



وحين وصل إليهم، اندفع إلى أحضانهم باكيًا من شدة الخوف والراحة في آنٍ واحد. احتضنته أمه بقوة، بينما وضع الأب يده على كتفه وقال بحنان:

"الحمد لله أنك بخير يا صغيري… لكن لا تنسَ أبدًا نصيحة أمك."

مسح لؤي دموعه وقال معتذرًا:

"آسف يا أمي… لن أعصيكِ بعد اليوم. لقد تعلمت أن طاعتكِ تحميني من الخطر."



عاد الجميع بعدها إلى مكان المبيت، وتناولوا العشاء الدافئ حول ضوء المصباح. شعر لؤي بالأمان بين أسرته، ونام تلك الليلة وهو يحتضن أخاه سمير، مستعدًا ليوم جديد مليء بالمغامرات لكن هذه المرة… مع الالتزام بتعليمات والديه.


تعليقات